سورة البقرة آية 0225 – 01250 ت – تفسير فتح القدير – تفسير الشوكاني


* تفسير فتح القدير/ الشوكاني (ت 1250 هـ) مصنف و مدقق


وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّـهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَـٰنِكُمْ أَن تَبَرُّوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَتُصْلِحُوا۟ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٢٤﴾ لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّـهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَٱللَّـهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴿٢٢٥

العرضة: النصبة، قاله الجوهري. يقال جعلت فلاناً عرضة لكذا: أي: نصبة. وقيل: العرضة من الشدة، والقوّة، ومنه قولهم للمرأة: عرضة للنكاح: إذا صلحت له، وقويت عليه، ولفلان عرضة: أي: قوّة، ومنه قول كعب بن زهير:

مِنْ كُلَّ نَضَّاحِة الدِّفرى إذا عَرِقَتْ عُرْضَتُها طَامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ

ومثله قول أوس بن حجر:

وأدْمَاءُ مِثل العجل يوماً عَرَضتُها لِرَحْلي وفيها هِزَّة وَتَقَاذُفُ

ويطلق العرضة على الهمة، ومنه قول الشاعر:

هم الأنصار عرضتها اللقاء

أي: همتها، ويقال: فلان عرضة للناس لا يزالون يقعون فيه، فعلى المعنى الذي ذكره الجوهري أن العرضة: النصبة كالقبضة، والغرفة يكون ذلك اسماً لما تعرضه دون الشيء، أي تجعله حاجزاً له، ومانعاً منه، أي: لا تجعلوا الله حاجزاً، ومانعاً لما حلفتم عليه، وذلك؛ لأن الرجل كان يحلف على بعض الخير من صلة رحم، أو إحسان إلى الغير، أو إصلاح بين الناس بأن لا يفعل ذلك، ثم يمتنع من فعله معللاً لذلك الامتناع بأنه قد حلف أن لا يفعله، وهذا المعنى هو الذي ذكره الجمهور في تفسير الآية، ينهاهم الله أن يجعلوه عرضة لأيمانهم، أي: حاجزاً لما حلفوا عليه، ومانعاً منه، وسمى المحلوف عليه يميناً لتلبسه باليمين، وعلى هذا يكون قوله: { أَن تَبَرُّواْ } عطف بيان { لأيمانكم } أي: لا تجعلوا الله مانعاً للأيمان التي هي بركم، وتقواكم، وإصلاحكم بين الناس، ويتعلق قوله: { لاِيْمَـٰنِكُمْ } بقوله: { لا تجعلوا } أي: لا تجعلوا الله لأيمانكم مانعاً، وحاجزاً، ويجوز أن يتعلق بعرضة، أي: لا تجعلوه شيئاً معترضاً بينكم، وبين البرّ، وما بعده، وعلى المعنى الثاني، وهو أن العرضة: الشدة، والقوّة يكون معنى الآية: لا تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم، وعدّة في الامتناع من الخير، ولا يصح تفسير الآية على المعنى الثالث، وهو: تفسير العرضة بالهمة، وأما على المعنى الرابع، وهو من قولهم: فلان لا يزال عرضة للناس، أي: يقعون فيه، فيكون معنى الآية عليه: ولا تجعلوا الله معرضاً لأيمانكم، فتبتذلونه بكثرة الحلف به، ومنه
وَٱحْفَظُواْ أَيْمَـٰنَكُمْ }
[المائدة: 89] وقد ذمّ الله المكثرين للحلف فقال:
وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ }
[القلم: 10] وقد كانت العرب تتمادح بقلة الأيمان حتى قال قائلهم:

قَلِيلُ الألايَا حَافِظُ ليمينه وإن سبقت منه الألية بَرّت

وعلى هذا، فيكون قوله: { أَن تَبَرُّواْ } علة للنهي، أي: لا تجعلوا الله معرضاً لأيمانكم إرادة أن تبروا، وتتقوا، وتصلحوا؛ لأن من يكثر الحلف بالله يجتريء على الحنث، ويفجر في يمينه. وقد قيل في تفسير الآية أقوال هي راجعة إلى هذه الوجوه التي ذكرناها، فمن ذلك قول الزجاج: معنى الآية: أن يكون الرجل إذا طلب منه الفعل الذي فيه خير اعتلّ بالله، فقال عليَّ يمين، وهو لم يحلف.

وقيل: معناها: لا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البرّ، والتقوى، والإصلاح. وقيل: معناها: إذا حلفتم على أن لا تصلوا أرحامكم، ولا تتصدقوا، ولا تصلحوا، وعلى أشباه ذلك من أبواب البر، فكفروا عن اليمين، وقد قيل: إن قوله: { أَن تَبَرُّواْ } مبتدأ خبره محذوف أي: البرّ، والتقوى، والإصلاح أولى. قاله الزجاج، وقيل: إنه منصوب أي: لا تمنعكم اليمين بالله البرّ، والتقوى، والإصلاح. وروى ذلك عن الزجاج أيضاً. وقيل: معناه: أن لا تبروا، فحذف لا، كقوله:
يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ }
[النساء: 176] أي: لا تضلوا. قاله ابن جرير الطبري. وقيل: هو في موضع جرّ على قول الخليل، والكسائي، والتقدير: في { أَن تَبَرُّواْ } وقوله: { سَمِيعُ } أي: لأقوال العباد: { عَلِيمٌ } بما يصدر منهم. واللغو: مصدر لغا يلغو لغواً، ولغى يلغي لغياً: إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام، أو بما لا خير فيه، وهو الساقط الذي لا يعتدّ به، فاللغو من اليمين: هو الساقط الذي لا يعتدّ به، ومنه اللغو في الدية، وهو الساقط الذي لا يعتد به من أولاد الإبل، قال جرير:

ويذهب بينها المرى لغوا كما ألغيت في الدية الحوارا

وقال آخر:

وَرَب أسْرَاب حَجيجٍ كُظَّم عَنِ اللَّغا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ

أي: لا يتكلمن بالساقط والرفث، ومعنى الآية: لا يعاقبكم الله بالساقط من أيمانكم، ولكن يعاقبكم بما كسبت قلوبكم، أي: اقترفته بالقصد إليه، وهي اليمين المعقودة، ومثله قوله تعالى:
وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأيْمَـٰنَ }
[المائدة: 89] ومثله قول الشاعر:

ولستَ بمأخوذ بِلَغوِ يقولُه إذا لم تَعَمدَّ عاقداتِ العزائِمِ

وقد اختلف أهل العلم في تفسير اللغو، فذهب ابن عباس، وعائشة، وجمهور العلماء أيضاً: أنه قول الرجل: لا والله، وبلى والله في حديثه، وكلامه، غير معتقد لليمين، ولا مريد لها. قال المروزي: هذا معنى لغو اليمين الذي اتفق عليه عامة العلماء. وقال أبو هريرة، وجماعة من السلف: هو أن يحلف الرجل على الشيء لا يظن إلا أنه إياه فإذا ليس هو ما ظنه، وإلى هذا ذهبت الحنفية، والزيدية، وبه قال مالك في الموطأ. وروي عن ابن عباس: أنه قال: لغو اليمين أن تحلف، وأنت غضبان، وبه قال طاوس، ومكحول. وروى عن مالك، وقيل: إن اللغو هو يمين المعصية، قاله سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وعبد الله بن الزبير، وأخوه عروة كالذي يقسم ليشربنَّ الخمر، أو ليقطعنَّ الرحم، وقيل: لغو اليمين: هو دعاء الرجل على نفسه، كأن يقول: أعمى الله بصره، أذهب الله ماله، هو يهودي، هو مشرك. قاله زيد بن أسلم. وقال مجاهد: لغو اليمين أن يتبايع الرجلان، فيقول أحدهما: والله لا أبيعك بكذا، ويقول الآخر: والله لا أشتريه بكذا.

وقال الضحاك: لغو اليمين: هي المكفرة. أي: إذا كفرت سقطت، وصارت لغواً. والراجح القول الأول لمطابقته للمعنى اللغوي، ولدلالة الأدلة عليه كما سيأتي. وقوله: { وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } أي: حيث لم يؤاخذكم بما تقولونه بألسنتكم من دون عمد أو قصد، وآخذكم بما تعمدته قلوبكم، وتكلمت به ألسنتكم، وتلك هي اليمين المعقودة المقصودة.

وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: { وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَـٰنِكُمْ } يقول: لا تجعلني عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك، واصنع الخير. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عنه هو: أن يحلف الرجل أن لا يكلِّم قرابته أولا يتصدق، ويكون بين رجلين مغاضبة، فيحلف لا يصلح بينهما، ويقول قد حلفت، قال: يكفر عن يمينه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء قال: جاء رجل إلى عائشة، فقال: إني نذرت إن كلمت فلاناً، فإن كل مملوك لي عتيق، وكل مال لي ستر للبيت، فقالت: لا تجعل مملوكيك عتقاء، ولا تجعل مالك ستراً للبيت، فإن الله يقول: { وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَـٰنِكُمْ } فكفر عن يمينك، وقد ورد أن هذه الآية نزلت في أبي بكر في شأن مسطح. رواه ابن جرير، عن ابن جريج، والقصة مشهورة،

وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة في الصحيحين، وغيرهما؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه ” وثبت أيضاً في الصحيحين، وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” والله إن شاء الله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير، وكفَّرتُ عن يميني ” وأخرج ابن ماجه، وابن جرير عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من حلف على يمين قطيعة رحم، أو معصية، فبرُّه أن يحنث فيها، ويرجع عن يمينه “وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا نذَر، ولا يمينَ، فيما لا يملك ابن آدم، ولا في معصية الله، ولا في قطيعة رحم ” وأخرج أبو داود، والحاكم، وصححه عن عمر مرفوعاً مثله. وأخرج النسائي، وابن ماجه، عن مالك الجُشَمي قال: قلت يا رسول الله يأتيني ابن عمي، فأحلف أن لا أعطيه، ولا أصله، فقال: ” كفر عن يمينك “. وأخرج مالك في الموطأ، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، والبخاري، وغيرهم عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية { لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ } في قول الرجل لا والله، وبلى والله، وكلا والله.

وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن حبان، وابن مردويه، والبيهقي من طريق عطاء بن أبي رباح؛ أنه سئل عن اللغو في اليمين، فقال: قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” هو كلام الرجل في بيته كلا والله، وبلى والله ” وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن عائشة، أنها قالت في تفسيره الآية: إن اللغو هو القوم يتدارؤون في الأمر يقول هذا: لا والله، ويقول هذا: كلا والله، يتدارون في الأمر لا تعقد عليه قلوبهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عائشة أنها قالت: هو اللغو في المزاحة والهزل، وهو: قول الرجل لا والله، وبلى والله، فذاك لا كفارة فيه، وإنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله، ثم لا يفعله. وأخرج ابن جرير، عن الحسن: قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم ينتضلون، ومع النبي صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه، فرمى رجل من القوم، فقال: أصبت والله، وأخطأت والله، فقال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم: حنث الرجل يا رسول الله، فقال: ” كلا، أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها، ولا عقوبة “. وقد روى أبو الشيخ عن عائشة، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو أن اللغو لا والله، وبلى والله. أخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد عن ابن عباس؛ أنه قال: لغو اليمين أن تحلف، وأنت غضبان. وأخرج ابن جرير، عن أبي هريرة قال: لغو اليمين حلف الإنسان على الشيء يظن أنه الذي حلف عليه، فإذا هو غير ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي عن عائشة نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أنها أن يحلف الرجل على تحريم ما أحلّ الله له. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: هو الرجل يحلف على المعصية، وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن النخعي: هو أن يحلف الرجل على الشيء ثم ينسى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: { وَٱللَّهُ غَفُورٌ } يعني إذ تجاوز عن اليمين التي حلف عليها { حَلِيمٌ } إذ لم يجعل فيها الكفارة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s