سورة الأعراف آية 0054 – 01921 م – تفسير أيسر التفاسير – تفسير أبو بكر الجزائري


* تفسير أيسر التفاسير/ أبو بكر الجزائري (مـ1921م- ) مصنف و مدقق مرحلة اولى


وَلَقَدْ جِئْنَـٰهُم بِكِتَـٰبٍ فَصَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٢ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ ۚ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوا۟ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ﴿٥٣ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّـهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّـهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿٥٤

شرح الكلمات:

ولقد جئناهم: أي أهل مكة أولاً ثم سائر الناس.

بكتاب: القرآن العظيم.

فصلناه على علم: بيناه على علم منَّا فبيّنا حلاله وحرامه ووعده ووعيده وقصصه ومواعظه وأمثاله.

تأويله: تأويل ما جاء في الكتاب من وعد ووعيد أي عاقبة ما أنذروا به.

وضل عنهم: أي ذهب ولم يعثروا عليه.

في ستة أيام: هي الأحد إلى الجمعة.

يغشي الليل النهار: يغطي كل واحد منهما الآخر عند مجيئه.

حثيثاً: سريعاً بلا انقطاع.

مسخرات: مذللات.

ألا: أداة استفتاح وتنبيه (بمنزلة ألو للهاتف).

له الخلق والأمر: أي له المخلوقات والتصرف فيها وحده لا شريك له.

تبارك: أي عظمت قدرته، وجلت عن الحصر خيراته وبركاته.

العالمين: كل ما سوى الله تعالى فهو عالم أي علامة على خالقه وإلهه الحق.

معنى الآيات:

بعد ذلك العرض لأحوال الناس يوم القيامة ومشاهد النعيم والجحيم أخبر تعالى أنه جاء قريشاً لأجل هدايتهم بكتاب عظيم هو القرآن الكريم وفصّله تفصيلاً فبينّ التوحيد ودلائله، والشرك وعوامله، والطاعة وآثارها الحسنة والمعصية وآثارها السيئة في الحال والمآل وجعل الكتاب هدى أي هادياً ورحمة يهتدي به المؤمنون وبه يرحمون.

هذا ما تضمنته الآية الأولى [52] وهي قوله تعالى: { وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } وأما الآية الثانية [53] فقد استبطأ الحق تعالى فيها إيمان أهل مكة الذين جاءهم بالكتاب المفصّل المبيَّن فقال: { هَلْ يَنظُرُونَ } أي ما ينظرون { إِلاَّ تَأْوِيلَهُ } أي عاقبة ما أخبر به القرآن من القيامة وأهوالها، والنّار وعذابها، وعندئذ يؤمنون، وهل ينفع يومئذ الإِيمان؟ وهاهم أولاء يقولون { يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ } وينكشف الغطاء عما وعد به، { يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ } أي قبل وقوعه، وذلك في الحياة الدنيا، نسوه فلم يعملوا بما ينجيهم فيه من العذاب يقولون: { قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ } اعترفوا بما كانوا به يجحدون ويكذبون ثم يتمنون ما لا يتحقَّق لهم أبداً فيقولون: { فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ } إلى الدنيا { فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ } من الشرك والشر والفساد. وتذهب تمنياتهم أدراج الرياح، ولم يُرعْهُمْ إلا الإِعلان التالي: { قَدْ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } خسروا أنفسهم في جهنم، وضاع منهم كلَّ أمل وغاب عنهم ما كانوا يفترون من أنَّ آلهتهم وأولياءهم يشفعون لهم فينجونهم من النار ويدخلونهم الجنة.

وفي الآية الأخيرة يقول تعالى لأولئك المتباطئين في إيمانهم { إِنَّ رَبَّكُمُ } الذي يُحبُّ ان تعبدوه وتدعوه وتتقربوا إليه وتطيعوه { ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ } هذا هو ربكم الحق وإلهكم الذي لا إله لكم غيره، ولا ربَّ لكم سواه، أمّا الأصنام والأوثان فلن تكون ربّاً ولا إلهاً لأحد أبداً لأنّها مخلوقة غير خالقة وعاجزة عن نفع نفسها، ودفع الضّر عنها فكيف بغيرها؟ إنّ ربَّكم ومعبودكم الحقّ الذي له الخلق كلّه ملكاً وتصرفاً وله الأمر وحده يتصرف كيف يشاء في الملكوت كله.

علويّه وسفليّه فتبارك الله رب العالمين.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

1- لا ينفع الإِيمان عند معاينة الموت والعذاب كما لا ينفع يوم القيامة.

2- يحسن التثبت في الأمر والتأني عند العمل وترك العجلة، فالله قادرٌ على خلق السمَّاوات والأرض في ساعة ولكن خلقها في ستة أيام بمقدار أيام الدّنيا تعليماً وإرشاداً إلى التثبت في الأمور والتأني فيها.

3- صفة من صفات الرب تعالى التي يجب الإِيمان بها ويحرم تأويلها أو تكييفها وهي استواؤه تعالى على عرشه.

4- انحصار الخلق كلّ الخلق فيه تعالى فلا خالق إلا هو، والأمر كذلك فلا آمر ولا ناهي غيره. هنا قال عمر: من بقي له شيء فليطلبه إذ لم يبق شيء ما دام الخلق والأمر كلاهما لله.

Advertisements

سورة الأعراف آية 0054 – إعراب القرآن – قاسم دعاس


إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)

(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ) إن واسمها ولفظ الجلالة خبرها.
(الَّذِي) اسم موصول في محل رفع صفة.
(خَلَقَ السَّماواتِ) فعل ماض ومفعوله (وَالْأَرْضَ) عطف (فِي سِتَّةِ) متعلقان بالفعل خلق (أَيَّامٍ) مضاف إليه.
(ثُمَّ) عاطفة وجملة (اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) معطوفة، (يُغْشِي) فعل مضارع.
(اللَّيْلَ) مفعول به أول (النَّهارَ) مفعول به ثان والجملة في محل نصب حال وكذلك جملة (يَطْلُبُهُ حَثِيثاً) حال.
(وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ) عطفت على السموات والأرض…
(مُسَخَّراتٍ) حال منصوبة بالكسرة لأنها جمع مؤنث سالم.
(بِأَمْرِهِ) متعلقان بمسخرات (أَلا) أداة استفتاح.
(لَهُ) متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
(الْخَلْقُ) مبتدأ (وَالْأَمْرُ) عطف (تَبارَكَ اللَّهُ) فعل ماض جامد ولفظ الجلالة فاعله.
(رَبُّ) صفة أو بدل (الْعالَمِينَ) مضاف إليه مجرور بالياء، والجملتان مستأنفتان.

48 – باب معنى قول الله عزوجل


48 – باب معنى قول الله عزوجل

(الرحمن على العرش استوى)
1 – حدثنامحمد بن علي ماجيلويه رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن سهل بن زياد الآدمي، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن مارد أن أبا عبدالله عليه السلام سئل عن قول الله عزوجل: (الرحمن على العرش استوى) فقال: استوى من كل شئ، فليس شئ هو أقرب إليه من شئ.
2 – أبي رحمه الله، قال: حدثنا سعد بن عبدالله، عن محمد بن الحسين(1) عن صفوان بن يحيى، عن عبدالرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول الله عزوجل: (الرحمن على العرش استوى(2)) فقال: استوى من كل شئ، فليس شئ أقرب إليه من شئ، لم يبعد منه بعيد، ولم يقرب منه قريب، استوى من كل شئ(3).
___________________________________
(1) في نسخة (ط) وحاشية نسخة (ن) و (ه‍) (عن محمد بن الحسن).
(2) طه: 5.
(3) استعمل الاستواء في معان: استقرار شئ على شئ وهذا ممتنع عليه تعالى كما نفاه الامام عليه السلام في أخبار من هذا الباب لانه من خواص الجسم.
والعناية إلى الشئ ليعمل فيه، وعليه فسر في بعض الاقوال قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء).
والاستيلاء على الشئ كقول الشاعر: ***فلما علونا واستوينا عليهم * تركناههم صرعى لنسر وكاسر*** والاية التي نحن فيها فسرت به في بعض الاقوال وفي الحديث الاول من الباب الخمسين.
والاستقامة، وفسربها قوله تعالى: (فاستوى على سوقه) وهذا قريب من المعنى الاول.
والاعتدال في شئ وبه فسر قوله تعالى: (ولمابلغ أشده واستوى).
والمساواة في النسبة، وهي نفيت في الآيات عن أشياء كثيرة كقوله تعالى: (وما يستوى الاحياء ولا الاموات) وفسر الامام عليه السلام الاية بها في هذا الباب وظاهره مساواة النسبة من حيث المكان لانه تعالى في كل مكان وليس في شئ من المكان بمحدود، ولكنه تعالى تساوت نسبته إلى الجميع من جميع الحيثيات، وانما الاختلاف من قبل حدود الممكنات، ولا يبعد الروايات من حيث الظهور عن هذا المعنى.

[316]
3 – حدثنا أبوالحسين محمد بن إبراهيم بن إسحاق الفارسي، قال: حدثنا أحمد بن محمد أبوسعيد النسوي، قال: حدثنا أبونصر أحمد بن محمد بن عبدالله الصغدي بمرو(1) قال: حدثنا محمد بن يعقوب بن الحكم العسكري وأخوه معاذ بن يعقوب، قالا: حدثنا محمد بن سنان الحنظلي، قال: حدثنا عبدالله بن عاصم، قال: حدثنا عبدالرحمن بن قيس، عن أبي هاشم الرماني، عن زاذان، عن سلمان الفارسي في حديث طويل يذكر فيه قدوم الجاثليق المدينة مع مائة من النصارى بعد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسؤاله أبا بكر عن مسائل لم يجبه عنها، ثم ارشد إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فسأله عنها فأجابه، وكان فيما سأله أن قال له: أخبرني عن الرب أين هو وأين كان؟ فقال علي عليه السلام: لايوصف الرب جل جلاله بمكان، هو كما كان، وكان كما هو، لم يكن في مكان، ولم يزل من مكان إلى مكان، ولا أحاطة به مكان، بل كان لم يزل بلاحد ولا كيف، قال: صدقت، فأخبرني عن الرب أفي الدنيا هو أوفي الآخرة؟ قال علي عليه السلام: لم يزل ربنا قبل الدنيا، ولايزال أبدا، هو مدبر الدنيا، وعالم بالآخرة، فأما أن يحيط به الدنيا والآخرة فلا، ولكن يعلم مافي الدنيار، والآخرة، قال: صدقت يرحمك الله، ثم قال: أخبرني عن ربك أيحمل أو يحمل؟ فقال علي عليه السلام: إن ربنا جل جلاله يحمل ولايحمل، قال النصراني: فكيف ذاك؟ ! ونحن نجد في الانجيل (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) فقال علي عليه السلام: إن الملائكة تحمل العرش، وليس العرش كما تظن كهيئة السرير، ولكنه شئ محدود مخلوق مدبر، وربك عزوجل مالكه، لا أنه عليه ككون الشئ على الشئ، وأمر الملائكة بحمله، فهم يحملون العرش بما أقدرهم عليه، قال النصراني: صدقت رحمك الله – والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة، وقد أخرجته بتمامه في آخر كتاب النبوة -.
4 – حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن بعض

___________________________________
(1) الصغد بالضم فالسكون قرى بين بخارا وسمرقند.
[317]
رجاله رفعه، عن أبي عبدالله عليه السلام أنه سئل عن قول الله عزوجل: (الرحمن على العرش استوى) فقال: استوى من كل شئ، فليس شئ أقرب إليه من شئ.
5 – حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله قال: حدثنا الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: من زعم أن الله عزوجل من شئ أوفي شئ أو على شئ فقد كفر، قلت: فسر لي، قال: أعني بالحواية من الشئ له، أو بإمساك له، أو من شئ سبقه.
6 – وفي رواية اخرى قال: من زعم أن الله من شئ فقد جعله محدثا، ومن زعم أنه في شئ فقد جعله محصورا، ومن زعم أنه على شئ فقد جعله محمولا.
7 – حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل رحمه الله قال: حدثنا عبدالله بن جعفر، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، قال: حدثني مقاتل بن سليمان، قال: سألت جعفر بن محمد عليهما السلام، عن قول الله عزوجل: (الرحمن على العرش استوى) فقال: استوى من كل شئ، فليس شئ أقرب إليه من شئ.
8 – وبهذا الاسناد، عن الحسن بن محبوب، عن حماد، قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: كذب من زعم أن الله عزوجل من شئ أو في شئ أو على شئ.
9 – حدثنا محمد بن علي ماجيلويه رحمه الله، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن أحمد ابن أبي عبدالله، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: من زعم أن الله عزوجل من شئ أو في شئ أو على شئ فقد أشرك، ثم قال: من زعم أن الله من شئ فقد جعله محدثا، ومن زعم أنه في شئ فقد زعم أنه محصور(1)، ومن زعم أنه على شئ فقد جعله محمولا.
قال مصنف هذا الكتاب: إن المشبهة تتعلق بقوله عزوجل (إن ربكم الله الذي خلق السموات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا)(2) ولاحجة لها في ذلك لانه عزوجل عنى بقوله: (ثم استوى على
___________________________________
(1) في نسخة (ج) (ومن زعم أنه في شئ فقد جعله محصورا).
(2) الاعراف: 54.
[318]
العرش) أي ثم نقل إلى فوق السماوات وهو مستول عليه ومالك له، وقوله عزوجل: (ثم) إنما لرفع العرش إلى مكانه الذي هو فيه ونقله للاستواء فلا يجوز أن يكون معنى قوله: (استوى) استولى لان استيلاء الله تبارك وتعالى على الملك وعلى الاشياء ليس هوبأمر حادث، بل لم يزل مالكا لكل شئ ومستوليا على كل شئ، وإنما ذكر عز وجل الاستواء بعد قوله: (ثم) وهو يعنى الرفع مجازا، وهو كقوله: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين)(1) فذكر (نعلم) مع قوله: (حتى) وهو عزوجل يعني حتى يجاهد المجاهدون ونحن نعلم ذلك لان حتى لايقع إلا على فعل حادث، وعلم الله عزوجل بالاشياء لايكون حادثا، وكذلك ذكر قوله عزوجل: (استوى على العرش) بعد قوله: (ثم) وهو يعني بذلك ثم رفع العرش لاستيلائه عليه، ولم يعن بذلك الجلوس واعتدال البدن لان الله لايجوز أن يكون جسما ولا ذا بدن، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.(2)
___________________________________
(1) محمد صلى الله عليه وآله وسلم: 31.
(2) حاصل مراده رحمه الله أن (ثم) لايتعلق بقوله (استوى) لانه بمعنى استولى و استيلاؤه تعالى على العرش لايكون متأخرا عن خلق السماوات والارض لانه مالك ملك مستول على كل شئ أزلا، بل يتعلق بمحذوف تقديره ثم نقل العرش إلى فوق السماوات لانه استوى عليه، وأخذ هذا التفسير من الحديث الثاني من الباب التاسع والاربعين، وقيل: ثم اظهر استواؤه على العرش للملائكة، وقيل: ثم قصد إلى خلق العرش فخلقه بعد خلق السماوات والارض، وقيل: ثم بين أنه استوى على العرش، وقيل: ثم صح الوصف بأنه مستو على العرش لانه لم يكن عرش قبل وجوده، والحق ان ثم لمجرد الترتيب، والاستواء هو الاستيلاء الفعلي الظاهر عن مقام الذات في الخلق بعد الايجاد، وحصال المعنى أنه تعالى استوى على العرش الذى هو جملة الخلق في بعض التفاسير بتدبير الامر ونفاذه فيه بعد الايجاد ألا له خلق الاشياء وأمرها بعد ايجادها، ولايخفى أن معنى الاستيلاء أنسب بسياق هذه الاية، ومعنى مساواة النسبة أنسب بقوله: (الرحمن على العرش استوى) ثم ان قوله: (على العرش) متعلق باستوى ان فسر بالاستيلاء، وان فسر بمساواة النسبة فمتعلق بمحذوف و استوى حال أو خبر بعد خبر، أو ضمن معنى الاستيلاء فمتعلق به أيضا.

معنى قوله تعالى وهو معكم أين ما كنتم


فتاوى نور على الدرب ( العثيمين ) ، الجزء : 5 ، الصفحة : 2 ت
كيف تفسر المعية في قوله تعالى (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)؟

فأجاب رحمه الله تعالى: معية الله تبارك وتعالى لخلقه حقيقية أضافها الله إلى نفسه في عدة آيات وهي أنواع معية تقتضي النصر والتأييد مع الإحاطة مثال ذلك قول الله تبارك وتعالى لموسى وهارون (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) وقول الله تبارك وتعالى عن نبيه محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) وصاحبه هنا هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالإجماع ومعيةٌ أخرى تقتضي التهديد والتحذير ومثاله قوله تعالى (يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) ومعيةٌ تقتضي العلم والإحاطة بالخلق كما في قول الله تعالى (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) هذه المعية الحقيقية لا تعني أن الله تعالى مع الخلق في الأرض كلا والله فإن الله سبحانه وتعالى فوق كل شيء كما قال الله تعالى (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) وقد دل الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة على علو الله تبارك وتعالى وأنه فوق كل شيء وتنوعت الأدلة من الكتاب والسنة على علو الله تبارك وتعالى واستمع قال الله تعالى (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) قالها في أعظم آيةٍ من كتاب الله وهي آية الكرسي والعلي من العلو وقال تعالى (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) والأعلى وصف تفضيل لا يساميه شيء وقال الله تبارك وتعالى (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ) وقال تعالى (أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ) والآيات في هذا كثيرة والسنة كذلك دلت على علو الله تعالى قولاً من الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفعلاً وإقراراً فكان يقول صلى الله عليه وسلم (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء) وكان يقول (سبحان ربي الأعلى) ولما خطب الناس يوم عرفة وهو أكبر اجتماعٍ للنبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه قال (ألا هل بلغت قالوا نعم قال اللهم اشهد) يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إلى الناس (اللهم) يشير إلى الله عز وجل في السماء (اشهد) يعني على الناس أنهم أقروا بالبلاغ أي بتبليغ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إياهم وأتي إليه بجارية مملوكة فقال لها (أين الله قالت في السماء فقال لسيدها أعتقها فإنها مؤمنة) وأقرها على قولها إن الله في السماء وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسانٍ وأئمة الهدى من بعدهم فكلهم مجمعون على علو الله تعالى وأنه فوق كل شيء لم يرد عن واحدٍ منهم حرفٌ واحد أن الله ليس في السماء أو ليس فوق عباده ولهذا يجب على المؤمن أن يعتقد بقلبه اعتقاداً لا شبهة فيه بعلو الله تعالى فوق كل شيء وأنه نفسه جل وعلا فوق كل شيء وكيف يعقل عاقل فضلاً عن مؤمن أن يكون الله تعالى مع الإنسان في كل مكان أيمكن أن يتوهم عاقل بأن الإنسان إذا كان في الحمام يكون الله معه إذا كان في المرحاض يكون الله معه إذا كان واحد من الناس في الحجرة في بيته وآخر من الناس في المسجد يكون الله هنا وهناك الله واحدٌ أم متعدد إن الإنسان الذي يقول الله في كل مكان بذاته يلزمه أحد أمرين لا ثالث لهما إما أن يعتقد أن الله متعددٌ بحسب الأمكنة وإما أن يعتقد أنه أجزاءٌ بحسب الأمكنة وحاشاه من ذلك لا هذا ولا هذا إنني أدعو كل مؤمنٍ بالله أن يعتقد اعتقاداً جازماً بأن الله تبارك وتعالى في السماء لا يحصره مكان وإني أخشى على من لم يعتقد ذلك أن يلقى الله تعالى وهو يعتقد أن الله في كل مكان أن يلقى الله على هذه الحال فيكون مجانباً للصواب والصراط المستقيم عباد الله لا تلفظوا بأقوال من أخطؤوا من أهل العلم اقرؤوا القرآن بأنفسكم واعتقدوا ما يدل عليه هل يمكن أن يقرأ قارئ (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) ثم يعتقد أنه في المكان الذي هو فيه يعني الذي الإنسان فيه لا يمكن أبداً وأما قول هؤلاء الذين أخطؤوا وجانبوا الصواب وخالفوا الصراط إن المراد بذلك علو المكانة فكلا والله إن هؤلاء أنفسهم إذا دعوا الله يرفعون أيديهم إلى السماء إلى من دعوا وهل هذا إلا فطرة مفطورٌ عليها كل الخلق العجوز في خدرها تؤمن بأن الله تعالى فوق كل شيء فالفطرة إذاً دالة على علو الله تعالى نفسه فوق كل شيء العقل كذلك يدل على هذا فإنه من المعلوم أن العلو صفة كمال وأن السفول صفة نقص وأيهما أولى أن نصف رب العالمين بصفة الكمال أو بصفة النقص كل مؤمن يقول له صفة الكمال المطلق ولا يمكن أن يوصف بالنقص بأي حالٍ من الأحوال إذا علمت ذلك فقد يتراءى لك أن هذا ينافي قول الله تعالى (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) فأقول لك أيها الأخ المسلم إنه لا ينافيه لأن الله سبحانه وتعالى ليس كعباده ليس كالمخلوق ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وهو أعلى وأجل مما يتصوره الإنسان ولا يمكن أن يحيط الإنسان بالله علماً كما قال عن نفسه (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) فهو وإن كان في السماء فوق كل شيء فهو مع العباد لكن ليس معناه أنه في أمكنتهم بل هو محيطٌ بهم علماً وقدرةً وسلطاناً وغير ذلك من معاني ربوبيته فإياك يا أخي المسلم أن تلقى الله على ضلال اقرأ قول الله تعالى (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) ثم اقرأ (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) ثم آمن بهذا وهذا واعلم أنه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) فيجب على الإنسان أن يؤمن بأن الله فوق كل شيء بأن الله نفسه فوق كل شيء بأنه ليس حالاً في الأرض ولا ساكناً فيها ثم يؤمن مرةً أخرى بأنه تعالى له عرشٌ عظيم قد استوى عليه أي علا عليه علواً خاصاً غير العلو المطلق علواً خاصاً يليق به جل وعلا وقد ذكر الله استواءه على العرش في سبعة مواضع من القرآن كلها بلفظ (استوى على) واللغة العربية التي نزل بها القرآن تدل على أن (استوى على) أي علا عليه كما في قول الله تبارك وتعالى (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ) وقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على أن استواء الله على العرش استواءٌ حقيقي وهو علوه جل وعلا على عرشه لم يرد عن أحدٍ منهم تفسيرٌ ينافي هذا المعنى أبداً وهنا أعطيك قاعدة وهي أنه إذا جاء في الكتاب والسنة لفظٌ يدل على معنى ولم يرد عن الصحابة خلافه فهذا إجماعٌ منهم على أن المراد به ظاهره وإلا لفسروه بخلاف ظاهره ونقل عنهم ذلك وهذه قاعدةٌ مفيدة في تحقيق الإجماع في مثل هذه الأمور وأما من فسر (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) بأنه استولى عليه فتفسيره خطاٌ ظاهر وغلطٌ واضح فإن الله استولى على العرش وغيره فكيف نقول إنه استوى على العرش خاصة يعني استولى عليه ثم إن الآيات الكريمة تأبى ذلك أشد الإباء اقرأ قول الله تعالى (إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) فلو فسرت استوى بمعنى استولى لكان العرش قبل ذلك ليس ملكاً لله بل هو ملكٌ لغيره وهل هذا معقول هل يمكن أن يتفوه بهذا عاقل فضلاً عن مؤمن أن العرش كان مملوكاً لغير الله أولاً ثم كان لله ثانياً ألا فليتقِ الله هؤلاء المحرفون للكلم عن مواضعه وليقولوا عن ربهم كما قال ربهم عن نفسه جل وعلا فهم والله ليسوا أعلم بالله من نفسه وليسوا أعلم بالله من رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يرد عنه أنه فسر هذا اللفظ بما فسر به هؤلاء وليسوا أعلم بالله وصفاته من صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يرد عنهم أنهم فسروا الاستواء بالاستيلاء على العرش ألا فليتقِ الله امرؤ ولا يخرج عن سبيل المؤمنين بعد ما تبين له الهدى فإنه على خطرٍ عظيم إن العلماء الذين سبقوا وأتوا من بعد الصحابة والتابعين لهم بإحسان وفسروا الاستواء بالاستيلاء نرجو الله تبارك وتعالى أن يعفو عن مجتهدهم وأن يتجاوز عنهم وليس علينا أن نتبعهم بل ولا لنا أن نتبعهم فيما أخطؤوا به ونسأل الله لهم العفو عما أخطؤوا به بعد بذل الاجتهاد ونرجو الله أن يوفقنا للصواب وإن خالفناهم ولا يغرنك أيها الأخ المسلم ما تتوهمه من كثرة القائلين بهذا أي بأن استوى بمعنى استولى فإنهم لا يمثلون شيئاً بالنسبة للإجماع السابق فالصحابة كلهم مجمعون على أن (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) أي علا عليه لم يرد عن واحدٍ منهم حرفٌ واحد أنه استولى عليه فهم مجمعون على هذا وكذلك الأئمة من بعدهم أئمة المسلمين وزعماؤهم كالإمام أحمد وغيره إن بينك وبين الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أزمنة وعلماء لا يحصيهم إلا الله عز وجل فعليك بمذهب من سلف ودع عنك من خلف فالخير كل الخير فيمن سلف وليس فيمن خلف أيها الأخ المسلم المستمع إنني لم أطل عليك في هذين الأمرين علو الله عز وجل واستوائه على عرشه والأمر الثالث معيته لخلقه إلا لأن الأمر خطير ولأنه قد ضلت فيه أفهام وزلت فيه أقدام فعليك بمذهب من سلف ودع عنك من أخطأ ممن خلف أسأل الله أن يوفقنا جميعاً للصواب وأن يتوفانا على العقيدة السليمة الخالصة من كل شوب.

هل الله في السماء أم في كل مكان؟


هل الله في السماء أم في كل مكان؟
الكاتب : حامد بن عبد الله العلي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عندي سؤال: تناقشت في منتدى حول اين الله؟
البعض قال: انه في السماء فقط وان الرافضه يقولون انه في كل مكان.
وانا اقول ان الله في كل مكان، والدليل على ذلك قوله في سورة البقرة – الآية 115 – {فأينما تولوا فثم وجه الله}.
سألت لجنة الافتاء في (…) وقالوا ان ابن تيمية وابن القيم يقولون ان الله في السماء، وبقية الأئمة يقولون ان الله في كل مكان…
وجزاكم الله كل خير.

الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
وبعد:
أجمع العلماء من أهل السنة، من الأئمة الأربعة وغيرهم، وكل من بقي من المسلمين على فطرته لم تلوثها بدع أهل الكلام المذموم، قبل أن يولد شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، على أن الله تعالى عال على خلقه، ولم يقل إنه في كل مكان إلا الرافضة الخبيثة، والجهمية الضالة.
وحتى الأشعرية فإنهم لايقولون إنه سبحانه في كل مكان، بل هم زعموا أنهم عندما ينفون علوه على خلقه، يريدون تنزيهه عن أن يحصره مكان، فكيف يحصرونه في الأمكنة كلها ؟! بل هم يقولون: الله ليس في العلو، ولا يشار إليه في جهة، ولا هو خارج العالم، كما أنه ليس داخله، كما أنه ليس متصلا بالعالم، ولاهومنفصل عنه، ولا هو في شيء من الجهات، ولا يشار إليه الإشارة الحسية، ولايقال أين هو.
وأذكر أنني في بداية طلب العلم، كان شيخنا محمد المختار بن محمد الأمين الشنقيطي صاحب الأضواء، يدرسنا الرسالة الحموية، وتكلم على مسالة العلو على طريقة السلف، وبعد الدرس جادلني أحد الطلاب من الأشعرية، فذكر لي شبههم المشهورة، فقلت له: دعنا من هذا كله، النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وأمام كل المسلمين في آخر وأكبر مجمع جمعه بأمته، وفيهم الخاصة والعامة، قال: اللهم فاشهد، وأشار إلى السماء، فقال: هذا من خصوصياته، فقلت له: ويحك إنه يخاطب الأمة، يخبرها عن ربه، فقال: هذا من خصوصياته، لم يقدر أن يزيد على ذلك !! وهذا كان من أكثر من عشرين عاما.
وقالت الأشعرية: إن ما ورد من النصوص ظواهر ظنية لاتعارض اليقينيات التي عندهم هي الشبه العقلية المتهافتة التي ظنوها أدلة يقينية.
وهذا كله غلط مخالف لما أجمعت عليه الأمة قبل أن تحدث هذه البدع الكلامية التي ما أنزل الله بها من سلطان.
ونحن عندما نقول إن الله تعالى في العلو، فكما قال في كتابه في آيات كثيرة، وكما تواتر في السنة في نصوص كثيرة لاتحصى إلا بكلفة، وقد ذكر الإمام الذهبي أن ما ورد من الأدلة في ذلك يربو على الألف من النصوص، والواجب على المسلم أن يسلم لنصوص الوحي،ولايعارضه ا بعقله، كما قال تعالى {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا}.
ولايلزم من إثبات علوه على خلقه، أنه محصور في مكان، أو أنه تحويه جهة، فالله تعالى خالق المكان وهو فوق كل خلقه، والجهة أمر نسبي ليس هو شيء محسوس مجسم، والله تعالى محيط بكل شيء، وأكبر من كل شيء.
ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما عرج به إلى السماء، عرج به إلى ربه، وهناك سمع كلام ربه، حيث فرض الله تعالى عليه الصلاة، ولم يزل يتردد بين ربه جل في علاه، وموسى عليه السلام، كما في الصحيحين وغيرهما حتى خفف الله تعالى الصلاة من خمسين إلى خمس، ولما سئل صلى الله عليه وسلم، هل رأيت الله تعالى، قال نور أنى أراه، وقد رأى نور الحجاب، ومعلوم أن الله تعالى احتجب بحجاب النور عن خلقه، كما في صحيح مسلم ” حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه “.
وهذا كله يقتضي إثبات علو الله تعالى على خلقه يقينا قاطعا لكل شك، إلا إن تركنا هذه النصوص وضربنا بما دلت عليه من معان عرض الحائط، وقدمنا عليها ما يسمى الادلة العقلية اليقينية، وما هي إلا الشبه كما قال الشاعر:
شبه تهافت كالزجاج تخالهاحقا وكل كاسر مكسور
وهذا أي تقديم شبهات العقول على نصوص الوحي، ليس دين الإسلام، فدين الإسلام قائم على التسليم لنصوص الوحي، وعدم معارضتها بشيء.
ومعلوم أن أهل الجنة يرون ربهم عيانا، كما في القرآن ومتواتر الأحاديث، يرونه كما يرون الشمس ليس دونها سحاب، يرونه من فوقهم، يتجلى لهم فيرونه، فلايكون شيء من نعيم الجنة أحب إليهم من النظر إليه كما في الصحيح.
فليت شعري كيف يفهم هؤلاء المبتدعة الذين غلظ فهمهم، كيف يفهمون هذه الأحاديث، إذا كانوا لايثبتون علوه سبحانه على خلقه ؟!!
وأما قوله تعالى ” فأينا تولوا فثم وجه الله ” فالمعنى جهة الله تعالى التي أمر أن يستقبلها المصلي في الصلاة، والعرب تقول: أين وجهك، أي أين جهتك، فالوجه والجهة واحد، كمايقال وعد وعدة، ووزن وزنة، فهذه الأية نزلت في شأن القبلة، فليست هي من آيات الصفات أصلا، ثم إن الذين يقولون إن الله في كل مكان لايمكنهم أن يستدلوا بها، لانهم لايقولون إن الأماكن النجسة، والحشوش (المراحيض)، ونار جهنم، وقبور الكفار، مثلا، داخلة في قوله تعالى ” أينما تولوا فثم وجه الله ” تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، فلا بد لهم من أن يقروا أنها ليست من آيات الصفات.
وفيما يلي بعض النقول التي تدل على أنه إجماع العلماء قبل شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم فليس لهما اختصاص بعقيدة أن الله تعالى عال على خلقه، بل هذه عقيدة المسلمين.
الإمام الأوزاعي [ت 157 هـ] قال: (كنا والتابعون متوافرون نقول:ان الله عز وجل فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته) [انظر:مختصر العلو للذهبي 137 والأسماء والصفات للبيهقي ، وفتح الباري 13/417].
ثانيا: الامام قتيبة بن سعيد [150-240 هـ] قال: (هذا قول الائمة في الإسلام والسنة والجماعة: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال جل جلاله:الرحمن على العرش استوى)، قال الذهبي: (فهذا قتيبة في امامته وصدقه قد نقل الإجماع على المسألة،وقد لقي مالكا والليث وحماد بن زيد، والكبار، وعمر دهرا وازدحم الحفاظ على بابه) [انظر:مختصر العلو 187، درء تعارض العقل والنقل 6/260، بيان تلبيس الجهمية 2/37].
ثالثا: الامام المحدث زكريا الساجي [ت 307 هـ] قال: (القول في السنة التي رأيت عليها أصحابنا أهل الحديث الذين لقيناهم أن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء) انتهى، قال الذهبي: (وكان الساجي شيخ البصرة وحافظها وعنه اخذ أبو الحسن الاشعري علم الحديث ومقالات أهل السنة) [مختصر العلو 223، اجتماع الجيوش الاسلامية لابن القيم 245].
رابعا: الامام ابن بطة العكبري شيخ الحنابلة [304-387 هـ] قال في كتابه “الإبانة عن شريعة الفرقة والناجية”: (باب الإيمان بأن الله على عرشه بائن من خلقه وعلمه محيط بخلقه، أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله تبارك وتعالى على عرشه فوق سمواته بائن من خلقه وعلمه محيط بجميع خلقه، ولا يأبى ذلك ولا ينكره إلا من انتحل مذاهب الحلولية وهم قوم زاغت قلوبهم واستهوتهم الشياطين فمرقوا من الدين وقالوا: إن الله ذاته لا يخلو منه مكان) انتهى [انظر الإبانة 3/ 136]، قال الذهبي: (كان ابن بطة من كبار الأئمة ذا زهد وفقه وسنة واتباع) [مختصر العلو 252].
خامسا: الإمام أبو عمر الطلمنكي الأندلسي [339-429 هـ] قال في كتابه “الوصول إلى معرفة الأصول”: (أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله {وهو معكم أينما كنتم}، ونحو ذلك من القرآن: أنه علمه، وأن الله تعالى فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء)، وقال: (قال أهل السنة في قوله {الرحمن على العرش استوى}، إن الاستواء من الله على عرشه على الحقيقة لا على المجاز) انتهى، قال الذهبي: (كان الطلمنكي من كبار الحفاظ وأئمة القراء بالأندلس) [درء التعارض 6/250، الفتاوى 5/189، بيان تلبيس الجهمية 2/38، مختصر العلو 264].
سادسا: شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني [372-449 هـ] قال: (ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله فوق سبع سمواته على عرشه كما نطق كتابه وعلماء الأمة واعيان الأئمة من السلف، لم يختلفوا أن الله على عرشه وعرشه فوق سمواته) انتهى، قال الذهبي: (كان شيخ الإسلام الصابوني فقيها محدثا وصوفيا واعظا كان شيخ نيسابور في زمانه له تصانيف حسنة).
سابعا: الإمام أبو نصر السجزي [ت 444 هـ] قال في كتابه “الإبانة”: (فأئمتنا كسفيان الثوري ومالك وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وعبد الله بن المبارك وفضيل بن عياض واحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي؛ متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش وان علمه بكل مكان، وانه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا، وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء، فمن خالف شيئا من ذلك فهو منهم بريء وهم منه براء) انتهى [انظر: درء التعارض 6/250 ونقل الذهبي كلامه هذا في السير 17/ 656]، وقال الذهبي عنه: (الإمام العلم الحافظ المجود شيخ السنة أبو نصر… شيخ الحرم ومصنف الإبانة الكبرى).
ثامنا: الحافظ أبو نعيم صاحب الحلية [336-430 هـ] قال في كتاب “الاعتقاد” له: (طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومما اعتقدوه؛ أن الله لم يزل كاملا بجميع صفاته القديمة، لا يزول ولا يحول… وأن القرآن في جميع الجهات مقروءا ومتلوا ومحفوظا ومسموعا ومكتوبا وملفوظا: كلام الله حقيقة لا حكاية ولا ترجمة… وأن الأحاديث التي ثبتت في العرش واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل، وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أرضه) انتهى، قال الذهبي: (فقد نقل هذا الإمام الإجماع على هذا القول ولله الحمد، وكان حافظ العجم في زمانه بلا نزاع… ذكره ابن عساكر الحافظ في أصحاب أبى الحسن الاشعري) [درء التعارض 6/261، الفتاوى 5/ 190، بيان تلبيس الجهمية 2/ 40 مختصر العلو 261].
تاسعا: الإمام أبو زرعة الرازي [ت 264 هـ] والإمام أبو حاتم [ت 277 هـ]، قال ابن أبى حاتم: (سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان في ذلك ؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا وشاما ويمنا فكان مذهبهم: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص… وأن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بلا كيف أحاط بكل شيء علما {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير})، قال: (وسمعت أبى يقول: علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، وعلامة الزنادقة: تسميتهم أهل السنة حشوية، يريدون إبطال الأثر، وعلامة الجهمية: تسميتهم أهل السنة مشبهة، وعلامة الرافضة: تسميتهم أهل السنة ناصبة) انتهى [شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للإمام اللالكائي – ت 418 هـ – ا/ 197-204].
عاشرا: الإمام ابن عبد البر [ت 463 هـ] قال في “التمهيد” بعد ذكر حديث النزول: (وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على عرشه من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم؛ إن الله عز وجل في كل مكان وليس على العرش)، ثم ذكر الأدلة على ذلك، ومنها قوله: (ومن الحجة أيضا في انه عز وجل فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم تبارك وتعالى، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى اكثر من حكايته لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم)، وقال أيضا: (أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا انهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله)، ومما احتج به أيضا حديث الجارية، كما أجاب عن قولهم “استوى ؛ استولى” بتفصيل رائع [انظر فتح البر بترتيب التمهيد 2/ 7 –48].
الحادي عشر: الإمام ابن خزيمة صاحب الصحيح [ت 311 هـ] قال: (من لم يقل بأن الله فوق سمواته وأنه على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ثم القي على مزبلة لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة) [انظر درء التعارض 6/ 264]، قال عنه الذهبي في السير [14/ 365]: (الحافظ الحجة الفقيه شيخ الإسلام إمام الأئمة)، ونقل عنه قوله: (من لم يقر بأن الله على عرشه قد استوى، فوق سبع سمواته فهو كافر حلال الدم، وكان ماله فيئا) انتهى.
وهذه نقول أخرى:
قال الإمام الحافظ البيهقي في الأسماء والصفات: (ومعنى قوله في هذه الأخبار “من في السماء” أي فوق السماء على العرش كما نطق به الكتاب والسنة).
وسئل الإمام ابن المبارك: كيف نعرف ربنا ؟ قال: (في السماء السابعة) [رواه البخاري في خلق أفعال العباد ].
قال الإمام الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله: (وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش لا على معنى القعود والمماسة ولا على العلو والرفعة كما قالت الأشعرية، بل إنه في السماء على العرش، كما قال {الرحمن على العرش استوى}) [الغنية لطالبي طريق الحق ص56].
وعن سليمان التميمي أنه قال: (لو سئلت أين الله لقلت في السماء) [البخاري في خلق أفعال العباد].
[25-02-2004]

45 – مذهب أهل السنة والجماعة في صفة العلو


فتاوى نور على الدرب
تصفح برقم المجلد > المجلد الأول > كتاب العقيدة > باب ما جاء في الأسماء والصفات > مذهب أهل السنة والجماعة في صفة العلو
45 – مذهب أهل السنة والجماعة في صفة العلو
س: السائل إ . أ . أ . من الحوطة ، يقول : ما هو مذهب أهل السنة والجماعة في العلو؟ .
ج : مذهب أهل السنة والجماعة : الإيمان بعلو الله ، وأنه سبحانه فوق العرش ، فوق جميع الخلق ، كما قال جل وعلا : فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ وقال جل وعلا : وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ، وقال سبحانه : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 136)
، وقال سبحانه : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ، وقال جل وعلا : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ، والآيات في هذا المعنى كثيرة ، أهل السنة والجماعة يؤمنون إيمانا قطعيا بأنه سبحانه في العلو فوق العرش ، فوق جميع الخلق ، ليس بينهم خلاف في هذا والحمد لله .
س: السائل من تشاد ، يقول : أين الله؟ هل هو على عرشه؟ أم في كل مكان؟ وما حكم من يقول بأن الله في كل مكان؟ .
ج : الله سبحانه فوق العرش في العلو فوق جميع الخلق ، عند أهل السنة والجماعة ، هكذا جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام ، كل الرسل جاءوا بأن الله فوق العرش ، فوق جميع الخلق سبحانه وتعالى ، قال تعالى : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ، وقال سبحانه : أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ، وقال جل وعلا : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ، وقال جل وعلا : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 137)
، وقال جل وعلا : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ، في سبعة مواضع ، صرح فيها سبحانه بأنه فوق العرش ، قد استوى عليه استواء يليق بجلاله وعظمته ، لا يشابه خلقه في استوائهم ، ولا في غير ذلك من صفاته جل وعلا ، قال سبحانه : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ، وقال تعالى : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ، وقال سبحانه : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ، استفهام إنكاري يعني لا سمي له ، ولا كفو له سبحانه وتعالى ، وجاء رجل من الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية يريد أن يعتقها ، قال لها النبي صلى الله عليه وسلم : يا جارية أين الله؟ ” قالت : في السماء ، قال : ” من أنا؟” ، قالت : أنت رسول الله ، قال : أعتقها فإنها مؤمنة ، أخرجه مسلم في صحيحه ، لما سألها عن الله؟ قالت : في السماء ، فقال : أعتقها فإنها مؤمنة ، دل على أن ربنا في السماء في العلو ، فوق العرش ، فوق جميع الخلق ، وهذا معنى قوله سبحانه : أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ
(الجزء رقم : 1، الصفحة رقم: 138)
، هكذا جاء في سورة الملك ، وهذا إجماع أهل السنة والجماعة ، أجمع الصحابة كما أجمعت الرسل عليهم الصلاة والسلام أن الله فوق العرش ، وأن الله في العلو جل وعلا ، ومن هذا قوله جل وعلا : وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى ، دل على أن موسى أخبره أن الله في العلو ، وأنه فوق العرش ، ولهذا قال فرعون ما قال .
ومن قال : إن الله في كل مكان أو ليس في العلو فهو كافر ، مكذب لله ورسوله ، ومكذب لإجماع أهل السنة والجماعة ، كالجهمية وأشباههم والمعتزلة هؤلاء من أكفر الناس ، لإنكارهم أسماء الله وصفاته .

المبحث السابع عشر: الرد على تأويلهم صفة العلو


المبحث السابع عشر: الرد على تأويلهم صفة العلو

سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن قول بعض الناس إذا سئل “أين الله” قال: “الله في كل مكان” أو “موجود” فهل هذه الإجابة صحيحة على إطلاقها؟ فأجاب بقوله:
“هذه إجابة باطلة لا على إطلاقها ولا تقييدها فإذا سئل أين الله؟ فليقل: “في السماء”، كما أجابت بذلك المرأة التي سألها النبي، صلى الله عليه وسلم، ((أين الله؟” قالت: في السماء)) (1) .
وأما من قال: “موجود” فقط. فهذا حيدة عن الجواب ومراوغة منه.
وأما من قال: “إن الله في كل مكان” وأراد بذاته فهذا كفر لأنه تكذيب لما دلت عليه النصوص، بل الأدلة السمعية، والعقلية، والفطرية، من أن الله – تعالى- عليٌّ على كل شيء وأنه فوق السموات مستوٍ على عرشه”.
كما سئل فضيلته عن تفسير استواء الله – عز وجل- على عرشه بأنه علوه -تعالى- على عرشه على ما يليق بجلاله؟ فأجاب بقوله:
“تفسير استواء الله تعالى على عرشه بأنه علوه- تعالى- على عرشه على ما يليق بجلاله هو تفسير السلف الصالح. قال ابن جرير إمام المفسرين في تفسيره “من معاني الاستواء: العلو والارتفاع كقول القائل: استوى فلان على سريره يعني علوه عليه”.
وقال في تفسير قوله – تعالى-: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] “يقول جل ذكره: الرحمن على عرشه ارتفع وعلا”. أ. هـ. ولم ينقل عن السلف ما يخالفه.
ووجهه: أن الاستواء في اللغة يستعمل على وجوه:
الأول: أن يكون مطلقاً غير مقيد فيكون معناه الكمال كقوله – تعالى-: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى [القصص:14].
الثاني: أن يكون مقروناً بالواو فيكون بمعنى التساوي. كقولهم: استوى الماء والعتبة.
الثالث: أن يكون مقروناً بإلى فيكون بمعنى القصد كقوله – تعالى-: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء [فصلت:11].
الرابع: أن يكون مقروناً بعلى فيكون بمعنى العلو والارتفاع كقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5].
وذهب بعض السلف إلى أن الاستواء المقرون بإلى كالمقرون بعلى، فيكون معناه الارتفاع والعلو، كما ذهب بعضهم إلى أن الاستواء المقرون بعلى بمعنى الصعود والاستقرار .
وأما تفسيره بالجلوس فقد نقل ابن القيم في (الصواعق) (4/1303) عن خارجة بن مصعب في قوله – تعالى-: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] قوله: “وهل يكون الاستواء إلا الجلوس”. أ. هـ. وقد ورد ذكر الجلوس في حديث أخرجه الإمام أحمد عن ابن عباس – رضي الله عنهما- مرفوعاً. والله أعلم. (2)