ادعاء أن الله – عز وجل – كائن في كل مكان بذاته (*)


ادعاء أن الله – عز وجل – كائن في كل مكان بذاته (*)

مضمون الشبهة:

يعتقد بعض الطوائف أن الله – عز وجل – في كل مكان بذاته، على ما في ذلك من تمهيد للقول بالحلول واختلاطه – عز وجل – بمخلوقاته، وينكرون ما تواتر عن السلف والأئمة من إثبات استوائه – عز وجل – على عرشه وعلوه وفوقيته. وقد يستدلون على ذلك بظواهر بعض الآيات، كقوله عز وجل: )وهو معكم أين ما كنتم( (الحديد: ٤).

وجها إبطال الشبهة:

1) إثبات العلو والفوقية لله – سبحانه وتعالى – عقيدة ثابتة لها دلائلها الكثيرة من نصوص القرآن، فضلا عن دلالة الفطرة والعقول السوية.

2)  علوه – سبحانه وتعالى – لا ينافي شمول علمه وإحاطته بالخلائق، وأنه أقرب إليهم من حبل الوريد[i][1].

التفصيل:

أولا. إثبات العلو والفوقية لله سبحانه وتعالى:

أخبرنا الله – سبحانه وتعالى – أنه في السماء مستو على عرشه: )أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور (16) أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (17)( (الملك)، وفي الحديث الصحيح: «أنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء»[ii][2].

وفي الصحيح أيضا «أن النبي – صلى الله عليه وسلم – سأل جارية معاوية بن الحكم السلمي “أين الله؟ قالت: في السماء. قال: “من أنا؟ قالت أنت رسول الله، قال: “أعتقها فإنها مؤمنة»[iii][3].

معنى كونه – عز وجل – في السماء:

وليس المراد بأن الله – عز وجل – في السماء أن جرم[iv][4] السماء تحويه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، بل المراد بالسماء العلو والفوقية، فقد وصف نفسه – عز وجل – بأنه الأعلى: )سبح اسم ربك الأعلى (1)( (الأعلى). وبأنه العلي العظيم: )وسع كرسيه السمـاوات والأرض ولا يئــوده حفظهمــا وهـــو العلـي العظيــم (255)( (البقرة).

معنى استوائه على عرشه:

قال عز وجل: )الرحمن على العرش استوى (5)( (طه). ومذهب أهل السنة وأصحاب الحديث أنهم يثبتون استواءه على العرش، ولا ينفونه[v][5] ولا يكيفون[vi][6].

قال داود بن علي الأصبهاني: كنت عند ابن الأعرابي، فأتاه رجل فقال ما معنى قوله ـ عز وجل ـ: )الرحمـن على العرش استـوى(. فقال ابن الأعرابي: هو على عرشه كما أخبر، فقال: يا أبا عبد الله، إنما معناه استولى، فقال ابن الأعرابي: فما يدريك؟ العرب لا تقول استولى على الشيء حتى يكون له مضاد، فأيهما غلب فقد استولى عليه، أما سمعت قول النابغة:

إلا لمثلك أو من أنت سابقه

سبق الجواد إذا استولى على الأمد

وهذا النهج، وهو معرفة معنى الاستواء وجهل الكيفية والنهي عن البحث فيها – هو منهج السلف الصالح، فعندما سئل الإمام مالك عن قوله تعالى: )الرحمن على العرش استوى( كيف استوى! قال ما معناه: “الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة”.

ويقول القرطبى: “كان السلف الأول – رضي الله عنهم – لا يقولون بنفي الجهة، ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله – سبحانه وتعالى – كما نطق كتابه، وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد أنه استوى على عرشه حقيقة، وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته”[vii][7].

والعلو والفوقية ثابتان بالكتاب والسنة وإجماع الملائكة والأنبياء والمرسلين – عليهم السلام – وأتباعهم – على الحقيقة – من أهل السنة والجماعة، وهو سبحانه وتعالى فوقهم مستويا على عرشه عاليا على خلقه بائنا منهم، يعلم أعمالهم ويسمع أقوالهم ويرى حركاتهم وسكناتهم، لا تخفى عليه منهم خافية، والفطرة السليمة والقلوب المستقيمة مجبولة[viii][8] على الإقرار بذلك ولا تنكره، فأسماؤه الحسنى دالة على ثبوت جميع معاني العلو له تعالى كاسمه الأعلى، واسمه المتعالى، واسمه الظاهر وغيرها.

وهذه الأسماء تدل على ثبوت جميع معاني العلو لله تعالى ذاتا وقهرا وشأنا، ومن ذلك التصريح بالاستواء على عرشه كما قال عز وجل: )إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (54)( (الأعراف)، وقوله عز وجل: )الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون( (2) (الرعد)، وفي حديث أنس في فضل الجمعة وتسميته في الآخرة “يوم المزيد” يقول في آخره: «وهو اليوم الذي استوى فيه ربك على العرش»[ix][9].

وعن أنس بن مالك – رضي الله عنهما – قال: «كانت زينب – رضي الله عنها – تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: زوجكن أهليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات»[x][10].

وعن جابر بن سليم قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «إن رجلا ممن كان قبلكم لبس بردين[xi][11] فتبختر، فنظر الله إليه من فوق عرشه فمقته، فأمر الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها»[xii][12].

وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: «لما قبض رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال أبو بكر رضي الله عنه: “أيها الناس إن كان محمد إلهكم الذي تعبدونه فإن إلهكم قد مات، وإن كان إلهكم الله الذي في السماء فإن إلهكم لم يمت” ثم تلا قوله تعالى: )وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (144)( (آل عمران)» [xiii][13].

وعن أبي أمامة الباهلي – رضي الله عنه – قال: لما لعن الله إبليس وأخرجه من جنته ومن سماواته وأخزاه قال: “رب أخزيتني ولعنتني وطردتني عن سماواتك وجوارك، فوعزتك لأغوين خلقك ما دامت الأرواح في أجسادهم”، فأجابه الرب سبحانه وتعالى فقال: “وعزتي وجلالي وارتفاعي على عرشي، لو أن عبدي أذنب حتى ملأ السماوات والأرض خطايا، ثم لم يبق من عمره إلا نفس واحد، فندم على ذنوبه لغفرتها، وبدلت سيئاته كلها حسنات”[xiv][14].

ومن أقوال التابعين في مثل هذا ما روي عن كعب الأحبار رضي الله عنه أنه قال: قال الله – عز وجل – في التوراة: “أنا الله فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي، وأنا على عرشي أدبر أمور عبادي، ولا يخفى علي شىء في السماء ولا في الأرض” وعن مسروق أنه كان إذا حدث عن عائشة – رضي الله عنها – قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة الله المبرأة من فوق سبع سماوات[xv][15]. وعن سفيان قال: كنت عند ربيعة بن أبي عبد الرحمــن فسألــه رجـل فقـال: )الرحمـن علــى العـرش استـــوى (5)( (طه)، كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق.

ثانيا. علو الله – عز وجل – لا ينافي قربه؛ فقد أحاط علمه وقدرته بكل شىء:

إن استواء الله – عز وجل – على عرشه وإثبات فوقيته في السماء لا ينافيه أنه – عز وجل – في كل مكان بعلمه وقدرته، فلا يعزب عن علمه شىء دق أو جل في السماوات ولا في الأرض، وعندما نقول هذا لا نعني أنه تعالى يشغل حيزا مكانيا كسائر الأجسام، عندما نقول: إنه واحد أحد، فإننا نشير إلى جلاله وإلى عظمته، وعندما نقول إنه معنا نقصد أنه معنا بعلمه وقدرته لا بذاته وهو بلا شبيه، تعالى أن يكون له شبيه: )ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11)( (الشورى).

أي أن الله – سبحانه وتعالى – على الرغم من أنه يحيط بنا بصفاته هذه، وأقرب إلينا من حبل الوريد، إلا أننا لا نملك الوصول إليه في عليائه سبحانه وتعالى.

والمقصود بقوله عز وجل: )وهو معكم أين ما كنتم( (الحديد: ٤)، أي بعلمه؛ لأن الآية تتكلم عن سعة علم الله وإحاطته بكل شىء )ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم (7)( (المجادلة).

إن نفوسا كثيرة من المؤمنين تستشعر معية ربها – سبحانه وتعالى – ومراقبته وجلالته على وجه أجلى ممن ينظرون إليهم من الناس، ويدعوهم ذلك إلى ملازمة أوامره ومجانبة نواهيه.

إن الله – سبحانه وتعالى – أمرنا أن ننظر إلى آثار رحمته، وأن نتفكر في خلقه، وليست عقولنا مؤهلة لأن تستوعب معية الله لنا أكثر من الاعتبار بآثار صفاته من علمه ورحمته، وتفضله وبره.

قال الإمام ابن تيمية في العقيدة الواسطية بعد أن سرد الآيات والأحاديث في الصفات: وقد دخل فيما ذكرنا من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر به في كتابه وتواتر عن رسول الله – سبحانه وتعالى – وأجمع عليه سلف الأمة من أنه – عز وجل – فوق سماواته على عرشه علي على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله عز وجل: )هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير (4)( (الحديد)، وليس معنى قوله )وهو معكم( أنه مختلط بالخلق؛ فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان، والله سبحانه فوق العرش، رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع عليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته.

وكل هذا الكلام الذي ذكر عن الله تعالى من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة، مثل أن يظن أن ظاهر قوله: “في السماء” أن السماء تقله أو تظله، وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان؛ فإن الله تعالى قد وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره[xvi][16].

وجاءت امرأة من “ترمذ” كانت تجالس جهما فدخلت الكوفة، فقيل لها: إن ههنا رجلا قد نظر في المعقول، يقال له أبو حنيفة فأتيه، فأتته فقالت: أنت الذي تعلم الناس المسائل وقد تركت دينك، أين إلهك الذي تعبده؟ فسكت عنها سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج وقد وضع كتابا سماه: (إن الله – عز وجل – في السماء دون الأرض. فقال له رجل: أرأيت قول الله عز وجل: )وهو معكم(؟ قال: هو كما تكتب إلى رجل: أني معك، وأنت غائب عنه.

وسئل الإمام أحمد: الله فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، وقدره وعلمه بكل مكان؟ قال: نعم، هو على عرشه، ولا يخلو شىء من علمه، وقيل له: ما معنى: )وهو معكم(؟ قال: علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد ولا صفة.

وقال أبو عمرو الطلمنكى: أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: )وهو معكم أين ما كنتم( ونحو ذلك من القرآن أنه علمه، وأن الله – عز وجل – فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كما نطق به كتابه، وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف لم يختلفوا أن الله على عرشه فوق سماواته. وقال أبو نصر السجزى: “أئمتنا متفقون على أن الله – عز وجل – بذاته فوق العرش وعلمه بكل مكان”.

الخلاصة:

  • الله واحد أحد، في السماء مستو على عرشه، وليس معنى كونه في السماء أن جرم السماء تحويه – سبحانه وتعالى – بل المراد بالسماء العلو والفوقية، وليس معنى استوى على عرشه: استولى على عرشه، بل استواؤه سبحانه وتعالى، معلوم بلا كيفية ولا تشبيه، ولا تعطيل ولا تمثيل، )ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11)( (الشورى).
  • علو الله تعالى لا ينافي قربه، فقد طال علمه وقدرته كل شىء، فهو معنا بقدرته وعلمه وجلاله وإرادته؛ وعليه فعبارة “الله في كل مكان” خاطئة، إذا أراد بها قائلها أن الله كائن في كل مكان بذاته.

 

 

(*) هل القرآن معصوم؟ موقع إسلاميات، عبد الله عبد الفادي.

[xvii][1]. حبل الوريد: عرق في العنق، يضرب به المثل في القرب.

[xviii][2]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن (4094)، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم (2500).

[xix][3]. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة (1227).

[xx][4]. الجرم: النجم أو الكوكب.

[xxi][5]. النفي: مذهب المعطلة، وهم الذين ينفون صفات الله تعالى، وينسبون إليه النقص.

[xxii][6]. التكييف: هو تعين كنه الصفة؛ يقال: كيف الشيء؛ أي: جعل له كيفية معلومة.

[xxiii][7]. العقيدة في الله، د. عمر سليمان عبد الله الأشقر، دار السلام، القاهرة، دار النفائس، الأردن، ط1، 1426هـ/ 2005م، ص206.

[xxiv][8]. المجبولة: المفطورة، المطبوعة.

[xxv][9]. صحيح: أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار (1841)، وصححه بمجموع الطرق في العلو (1/ 31).

[xxvi][10]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب ) وكان عرشه على الماء ( (هود: ٧) (6984).

[xxvii][11]. البرد: الكساء.

[xxviii][12]. صحيح: أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (7/ 63) برقم (6384)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (4/ 474) برقم (1437)، وصححه ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (55).

[xxix][13]. صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب المغازي، باب ما جاء في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم (37021)، والبزار في مسنده (1/ 61) برقم (103)، وصححه الذهبي في العلو (1/ 62).

[xxx][14]. انظر: معارج القبول بشرح سلم الوصول، حافظ بن أحمد حكمي، مكتبة نزار الباز، مكة المكرمة، ط1، 1417هـ/ 1996م، ج2، ص131: 150.

[xxxi][15]. ذكره الذهبي في العلو للعلي الغفار (317)، وقال: إسناده صحيح.

[xxxii][16]. انظر: معارج القبول بشرح سلم الوصول، حافظ بن أحمد حكمي، مكتبة نزار الباز، مكة المكرمة، ط1، 1417هـ/ 1996م ، ج2، ص130: 150.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s